الشيخ محمد النهاوندي

217

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

ثمّ شرع سبحانه في وعظ المؤمنين بقوله : : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وخافوا عذابه على عصيانه ، واحترزوا عن مخالفته وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ أيّ نفس كانت ما قَدَّمَتْ وأيّ عمل هيّأت وادّخرت لِغَدٍ ويوم عظيم في القرب بمنزلة اليوم البعد ، وهو يوم القيامة . ثمّ أكّد سبحانه الأمر بالتقوى التي هي « 1 » أقوى سبب النجاة من العذاب والفوز بالنّعم الأبدية بقوله : وَاتَّقُوا اللَّهَ أيّها المؤمنون فيما تأتون وما تذرون . ثمّ هدّد العصاة بقوله : إِنَّ اللَّهَ العالم بكلّ شيء خَبِيرٌ وعليم بِما تَعْمَلُونَ من المعاصي فيعاقبكم عليه أشدّ العقاب : وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ وذهبوا عن عظمته وحقوقه باشتغالهم بلذّات الدنيا وزخارفها ، ولم يراعوا أوامره ونواهيه حقّ الرّعاية فَأَنْساهُمْ اللّه بسبب ذلك أَنْفُسَهُمْ وأذهلهم عن خيرها وما فيه نجاتها من المهالك ، وفوزها بما فيه حياتها الدائمة وتنعّمها وراحتها الأبديه أُولئِكَ الناسون هُمُ الْفاسِقُونَ والخارجون عن طاعة العقل والشرع ، وفي تخصيص الفسق بهم إشعار بأنّ فسق غيرهم كالمعدوم لأنّهم كفّار . [ سورة الحشر ( 59 ) : الآيات 20 إلى 21 ] لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ ( 20 ) لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ( 21 ) ثمّ لمّا نهى سبحانه عن مماثلة الكفّار ، بيّن عدم أهلية الكفّار لأن يماثلهم ويساويهم أحد من المؤمنين بقوله : : لا يَسْتَوِي ولا يماثل الكفّار الذين هم أهل العذاب و أَصْحابُ النَّارِ في الآخرة ، والمؤمنون الذين هم أهل الرحمة وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ فانّ أصحاب النار هم الخاسرون و أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ بأعلى المقاصد وأسنى المطالب . عن الرضا عليه السّلام : « أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله تلا هذه الآية ، فقال : أصحاب الجنة من أطاعني وسلّم لعليّ بن أبي طالب بعدي وأقرّ بولايته ، وأصحاب النار من سخط الولاية ونقض العهد » « 2 » . ثمّ لمّا ذكر سبحانه بعض المواعظ الموجبة لرقّة القلب والخشوع ، مدح القرآن بغاية التأثير ، وذمّ قلوب الكفار بغاية القساوة بقوله : : لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ العظيم الشأن ، الذي فيه المواعظ الشافية والتهديدات الكثيرة عَلى جَبَلٍ وكان المقصود بالمواعظ والانذارات التي فيه وعظه وإنذاره ، واللّه

--> ( 1 ) . في النسخة : الذي هو . ( 2 ) . عيون أخبار الرضا عليه السّلام 1 : 280 / 22 ، تفسير الصافي 5 : 159 .